أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

250

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حيث أثبت خبرها بعدها ، هكذا أطلقوا . وبعضهم فصّل فقال : « إن كان خبر ما بعدها كونا مطلقا فالحذف واجب » ، وعليه جاء التنزيل وأكثر الكلام ، وإن كان كونا مقيدا فلا يخلو : إمّا أن يدل عليه دليل أو لا ، فإن لم يدلّ عليه دليل وجب ذكره ، نحو قوله عليه السّلام : « لولا قومك حديثو عهد بكفر » « 1 » ، وقول الآخر : 527 - فلو لا بنوها حولها لخبطتها « 2 » * . . . وإن دلّ عليه دليل جاز الذكر والحذف ، نحو : لولا زيد لغلبنا ، أي شجاع ، وعليه بيت المعري المتقدّم ، وقال أبو البقاء : « ولزم حذف الخبر للعلم به وطول الكلام ، فإن وقعت « أن » بعدها ظهر الخبر » ، كقوله : « فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ » « 3 » فالخبر في اللفظ ل « أنّ » وهذا الذي قاله موهم ، ولا تعلّق لخبر « أنّ » بالخبر المحذوف ولا يغني عنه البتة فهو كغيره سواء ، والتقدير : فلو لا كونه مسبّحا حاضر أو موجود ، فأيّ فائدة في ذكره لهذا ؟ والخبر يجب حذفه في صور أخرى ، يطول الكتاب بذكرها وتفصيلها ، وإنما تأتي إن شاء اللّه مفصّلة في مواضعها . وقد تقدّم معنى الفضل عند قوله « فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » « 4 » . قوله : لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ اللام جواب لولا . واعلم أنّ جوابها إن كان مثبتا فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها ، ويقلّ حذفها ، قال : 528 - لولا الحياء وباقي الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري « 5 » وإن كان منفيّا فلا يخلو : إمّا أن يكون حرف النفي « ما » أو غيرها ، إن كان غيرها فترك اللام واجب نحو : لولا زيد لم أقم ، أو لن أقوم ، لئلّا يتوالى لأمان ، وإن كان ب « ما » فالكثير الحذف ، ويقلّ الإتيان بها ، وهكذا حكم جواب « لو » الامتناعية ، وقد تقدّم عند قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ « 6 » ولا محلّ لجوابها من الإعراب . و « من الخاسرين » في محلّ نصب خبرا ل « كان » ، ومن للتبعيض . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 65 إلى 67 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ : اللام جواب قسم محذوف تقديره : واللّه لقد ، وهكذا كلّ ما جاء من نظائرها ، و « قد » حرف تحقيق وتوقع ، ويفيد في المضارع التقليل إلا في أفعال اللّه تعالى فإنّها للتحقيق ، وقد تخرج المضارع إلى المضيّ كقوله :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1 / 43 ) ، ومسلم ( 2 / 968 ) ، وذكره ابن كثير في البداية ( 1 / 261 ) ، وفي التفسير ( 1 / 261 ) . ( 2 ) صدر بيت للزبير بن العوام وعجزه : . . . * كخبطه عصفور ولم أتلعثم انظر المغنى ( 563 ) العيني ( 1 / 571 ) . ( 3 ) سورة الصافات ، آية ( 143 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 47 ) . ( 5 ) البيت لتميم بن مقبل انظر ديوانه ( 76 ) ، رصف المباني ( 242 ) ، المقرب ( 1 / 90 ) ، الهمع ( 2 / 27 ) ، الدرر ( 2 / 83 ) ، البحر ( 1 / 224 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 20 ) .